قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (4)
قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (4)
قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (4)
القراءة السياسية لاجراء الانتخابات التشريعية وإعادة تنظيم قواعد التمثيل السياسي
قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (4)
القراءة السياسية لاجراء الانتخابات التشريعية وإعادة تنظيم قواعد التمثيل السياسي
نشر بتاريخ الإثنين - 2026/08/10سلسلة أوراق بحثية تحليلية تصدر عن وحدة الدراسات والبحوث – جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي
"دفاتر الدراسات الانتخابية الفلسطينية"
سلسلة بحثية تهدف إلى متابعة وتحليل القضايا المرتبطة بالانتخابات الفلسطينية، من خلال قراءة الأبعاد القانونية والدستورية والسياسية للعملية الانتخابية، ومناقشة تطوراتها في ضوء المعايير الدولية والتجارب المقارنة.
وتسعى السلسلة إلى تقديم محتوى بحثي موثق يساهم في إثراء النقاش العام، وتعزيز المعرفة بالقضايا الانتخابية، ودعم الحوار حول المشاركة السياسية والتمثيل الديمقراطي وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.
الورقة الرابعة
قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (4)
القراءة السياسية لاجراء الانتخابات التشريعية وإعادة تنظيم قواعد التمثيل السياسي
لا يمكن فهم قرار بقانون رقم (10) لسنة 2026م الرئاسي الخاص بإجراء الانتخابات التشريعية بمعزل عن السياق السياسي الفلسطيني الذي صدر فيه؛ فالقرار لا يأتي في بيئة ديمقراطية مستقرة تتداول فيها المؤسسات سلطاتها بصورة منتظمة، وإنما في سياق سياسي اتسم بتعطل الانتخابات العامة واستمرار الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي حدّ من إمكانات التنافس السياسي وتداول السلطة عبر الوسائل الانتخابية، وأبقى النظام السياسي الفلسطيني أمام أزمة ممتدة في تجديد شرعيته الانتخابية ومؤسساته التمثيلية (Freedom House, 2024).
كما جاء القرار في ظل تحولات سياسية عميقة فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية، وتفاقمت بصورة حادة بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وما ترتب عليها من تدمير واسع للبنية التحتية والمؤسسات، وتحديات متزايدة أمام إعادة بناء مؤسسات الحكم والإدارة العامة، فضلًا عن إعادة طرح مسألة العلاقة بين إعادة إعمار غزة وإعادة تنظيم النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل المؤسسات الوطنية. ومن ثم، لم تعد الانتخابات تُطرح باعتبارها مجرد آلية دورية لاختيار الممثلين، وإنما باعتبارها إحدى الأدوات المحتملة لإعادة بناء الشرعية السياسية وترتيب العلاقة بين المؤسسات الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب (OECD, 2024).
وعليه، فإن القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026م يمكن النظر إليه من خلال وظيفتين متداخلتين
الأولى: وظيفة إجرائية تتمثل في إعادة تفعيل الإطار القانوني للعملية الانتخابية بعد فترة طويلة من تعطل الانتخابات العامة، بما يعيد إلى الواجهة مبدأ المشاركة الشعبية في اختيار الممثلين، وهو مبدأ أقره القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 ونظمه قانون الانتخابات العامة وتعديلاته.
والثانية: وظيفة سياسية–مؤسسية تتمثل في إعادة تنظيم القواعد القانونية التي تحكم المشاركة والتمثيل والمنافسة الانتخابية، بما يجعل تعديل قانون الانتخابات ذا آثار تتجاوز الجانب الإجرائي إلى التأثير في بنية التمثيل السياسي وقواعد تشكيل المؤسسة التشريعية (القانون الأساسي المعدل لسنة 2003؛ قرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته).
ومن هنا فإن السؤال السياسي المركزي لا يتعلق فقط بكيفية إجراء الانتخابات، وإنما أيضًا بطبيعة النظام السياسي الذي ستنتجه هذه الانتخابات، ومدى قدرتها على معالجة أزمة الشرعية والانقسام المؤسسي أم أنها ستعيد إنتاج التوازنات السياسية القائمة.
أولًا: القرار بوصفه محاولة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية
شهد النظام السياسي الفلسطيني، منذ توقف إجراء الانتخابات التشريعية بعد انتخابات عام 2006 وتعزز الانقسام السياسي والمؤسسي عام 2007، أزمة مركبة في الشرعية السياسية والمؤسسية. فعلى الرغم من استمرار عمل مؤسسات السلطة الفلسطينية، فإن غياب التجديد الانتخابي الدوري، إلى جانب عدم انعقاد المجلس التشريعي منذ عام 2007، أسهما في إضعاف الأساس الانتخابي للشرعية وطرح إشكاليات متزايدة بشأن تمثيلية المؤسسات القائمة ومصدر شرعيتها. وقد انعكست هذه الحالة كذلك على الإطار القانوني والمؤسسي، في ظل انقسام المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة واستمرار الانقسام السياسي الذي أعاق مسار الإصلاح وإعادة توحيد المؤسسات (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2017).
وفي الحالة الفلسطينية، تعمقت هذه الإشكالية بسبب عوامل إضافية: الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وغياب المجلس التشريعي عن ممارسة دوره الطبيعي. وتراجع ثقة الجمهور بالأحزاب التقليدية. وتغيرات اجتماعية وسياسية عميقة بين عامي 2006 و2026. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة المرسوم باعتباره محاولة لسد فجوة الشرعية من خلال العودة إلى صندوق الاقتراع.
ثانيًا: الهدف السياسي من تعديل النظام الانتخابي
يمكن فهم بعض التعديلات الانتخابية بوصفها استجابة لمحاولة إعادة بناء النظام السياسي بعد سنوات من الجمود.
فالنظام الانتخابي ليس مجرد أداة تقنية، بل هو آلية تحدد: من يدخل البرلمان. حجم تمثيل الأحزاب. قدرة القوى الصغيرة على المنافسة. طبيعة التحالفات السياسية. ولهذا فإن أي تعديل في نسبة الحسم. نظام القوائم. شروط الترشح. تمثيل الفئات الاجتماعية. يحمل آثارًا سياسية مباشرة.
ثالثًا: أثر التعديلات على التعددية السياسية
تضمن المرسوم تخفيض نسبة الحسم الانتخابي، وهو ما يعني أن الهدف المعلن عادة يكون توسيع قاعدة المشاركة والسماح بدخول قوى سياسية جديدة.
يرى أنصار تخفيض نسبة الحسم أن ذلك: يمنع احتكار الأحزاب الكبرى للتمثيل. يسمح بظهور قوى شبابية ومستقلة. يعكس التنوع الاجتماعي والسياسي. يقلل من الأصوات الضائعة. وهذا يتوافق مع بعض التجارب الديمقراطية التي تعتمد نسب حسم منخفضة، مثل هولندا، حيث يسمح النظام النسبي بدخول عدد كبير من القوى السياسية إلى البرلمان.
في المقابل، يرى الاتجاه النقدي لهذا التعديل أن تخفيض نسبة الحسم بدرجة كبيرة قد يؤدي إلى: زيادة تشتت البرلمان. صعوبة تشكيل حكومات أو ائتلافات مستقرة. ارتفاع نفوذ الأحزاب الصغيرة على حساب الأغلبية الانتخابية.
وهنا تظهر المفاضلة بين قيمتين ديمقراطيتين: التمثيل الواسع مقابل الاستقرار السياسي. ولا يوجد نموذج انتخابي مثالي، إذ تختار الدول عادة نقطة توازن بين هذين الهدفين.
رابعاً: زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي
يبدأ هذا الجزء بإيراد نص المادة الواردة في المرسوم التي رفعت عدد أعضاء المجلس التشريعي كما ورد في المادة(2) حيث: " تعدل الفقرة (3) من المادة (4) من القانون الأصلي لتصبح على النحو الاتي: 3 :
عدد نواب المجلس (200) مائتا نائبٍ"
تختلف أحجام البرلمانات بين الدول، كما شهد عدد أعضاء بعض المجالس التشريعية تغيرات عبر الزمن، بما يعكس اختلاف الترتيبات الدستورية والمؤسسية والتغيرات السكانية والسياسية. ولا يوجد معيار دولي موحد يحدد عددًا أمثلًا لأعضاء البرلمان؛ إذ تتباين أحجام المجالس التشريعية تبعًا للخصائص الديموغرافية للدولة وترتيباتها الدستورية ونظامها الانتخابي وطبيعة التمثيل المعتمد فيها. وتُظهر البيانات المقارنة للاتحاد البرلماني الدولي تفاوتًا واسعًا في الحجم القانوني للمجالس التشريعية، إلى جانب تغير عدد المقاعد في عدد من الدول عبر الزمن (Inter-Parliamentary Union, 2023).
أما في الحالة الفلسطينية، فقد ظل عدد أعضاء المجلس التشريعي ثابتًا منذ انتخابات عام 2006، رغم التغيرات السكانية والسياسية التي شهدها المجتمع الفلسطيني خلال العقدين الأخيرين.
ويثير رفع عدد أعضاء المجلس عدة فرضيات تفسيرية، يمكن مناقشتها دون افتراض صحة أي منها:
الفرضية الأولى: توسيع قاعدة التمثيل
قد يُفهم رفع عدد المقاعد باعتباره استجابةً للتغيرات الديموغرافية والحاجة إلى مواءمة حجم الهيئة التشريعية مع عدد السكان، كما يمكن أن يرتبط بالسعي إلى توسيع نطاق التمثيل السياسي والاجتماعي. وفي نظم التمثيل النسبي، يمكن لزيادة عدد المقاعد المتاحة للتمثيل أن تؤثر في درجة التناسب بين حصة الأصوات وحصة المقاعد، ولا سيما عندما تقترن بزيادة حجم الدوائر الانتخابية؛ إذ يرتبط حجم الدائرة بمستوى التناسب وفرص تمثيل القوائم الأصغر (Reynolds et al., 2005).
الفرضية الثانية: استيعاب مزيد من القوى السياسية
من منظور آخر، قد يؤدي توسيع عدد المقاعد، إذا اقترن بترتيبات انتخابية تقلل العتبة الفعلية لدخول المجلس، إلى زيادة فرص تمثيل الأحزاب الصغيرة والقوائم المستقلة. غير أن اتساع فرص الدخول لا يعني بالضرورة زيادة التمثيل بصورة متوازنة؛ فقد يؤدي انخفاض العتبات الانتخابية وتعدد فرص الدخول إلى زيادة عدد القوى الممثلة داخل المجلس، وبالتالي إلى قدر أكبر من التفتت الحزبي، تبعًا لطبيعة النظام الانتخابي وحجم الدوائر وقواعد توزيع المقاعد (Norris, 2004).
الفرضية الثالثة: إعادة بناء توازنات سياسية
يرى بعض الباحثين أن تعديل حجم البرلمان قد يستخدم في بعض السياقات الانتقالية كأداة لإعادة توزيع الفرص بين القوى السياسية أو لاستيعاب مكونات اجتماعية جديدة ضمن المؤسسات المنتخبة. إلا أن تقييم هذا الاحتمال في الحالة الفلسطينية يتطلب تحليلًا لسلوك النظام الانتخابي بعد تطبيقه، وليس الاكتفاء بقراءة النص القانوني.
من الناحية الدستورية، لا يكفي النظر إلى تعديل عدد أعضاء المجلس من زاوية أثر الزيادة في حجم الهيئة التشريعية، وإنما يتعين أيضًا بحث الأساس الدستوري والقانوني الذي يستند إليه هذا التعديل، والجهة المختصة بإقراره، ومدى توافق الإجراء المتخذ مع قواعد الاختصاص والتدرج التشريعي. كما ينبغي تقييم أثر زيادة عدد المقاعد في مبدأ المساواة في الاقتراع والتمثيل، ولا سيما من حيث المحافظة على المساواة في القوة الانتخابية للناخبين وعدم إحداث تفاوت غير مبرر في قيمة أصواتهم. ويُعد مبدأ المساواة في الاقتراع أحد المبادئ الأساسية في المعايير الانتخابية المقارنة، وتشمل المساواة الانتخابية المساواة العددية للأصوات، والمساواة في القوة الانتخابية، وتكافؤ الفرص (Venice Commission, 2002).
خامسًا: تمثيل النساء في النظام الانتخابي
تُعد حصص التمثيل النسائي (Gender Quotas) من أبرز أدوات الإصلاح الانتخابي المستخدمة لتعزيز حضور النساء في المؤسسات التشريعية. وتتخذ هذه الحصص أشكالًا متعددة، من بينها المقاعد المحجوزة للنساء، والحصص القانونية للمرشحات في القوائم الانتخابية، والحصص الطوعية التي تعتمدها الأحزاب السياسية. وتُظهر قاعدة البيانات العالمية للحصص الجندرية التابعة لـInternational IDEA انتشار هذه الآليات على نطاق واسع؛ إذ تشمل الدول التي لديها حصص دستورية أو تشريعية أو حزبية للنساء، مع اختلاف نوع الحصة ونطاق تطبيقها من دولة إلى أخرى (International IDEA, n.d.).
وترى الأدبيات القانونية والحقوقية أن الحصص النسائية يمكن أن تشكل أحد أشكال التدابير الخاصة المؤقتة الرامية إلى معالجة حالات عدم المساواة الفعلية في المشاركة السياسية، ولا سيما عندما تكون النساء في وضع من التمثيل الناقص أو تواجه عوائق بنيوية تحول دون تكافؤ فرصهن في الوصول إلى مواقع صنع القرار. ولا تتعارض هذه التدابير، من حيث المبدأ، مع مبدأ عدم التمييز؛ إذ تنص المادة (4/1) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) على أن اتخاذ تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بتحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال لا يُعد تمييزًا بالمعنى المقصود في الاتفاقية (United Nations, 1979).
وتؤكد لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، في توصيتها العامة رقم (25) بشأن التدابير الخاصة المؤقتة، أن هذه التدابير تهدف إلى التعجيل بتحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال، وأنها قد تكون ضرورية لمعالجة حالات الحرمان أو التمثيل الناقص التي تعاني منها النساء في مجالات مختلفة، بما فيها المشاركة السياسية والعامة. ومن ثم، فإن تقييم الكوتا النسائية لا ينبغي أن يقتصر على مبدأ المساواة الشكلية، وإنما ينبغي أن يأخذ في الاعتبار هدف تحقيق المساواة الفعلية ومعالجة أوجه عدم التمثيل القائمة (Committee on the Elimination of Discrimination against Women, 2004).
وفي المقابل، لا تضمن الكوتا النسائية وحدها تحقيق تمثيل سياسي فعّال أو متكافئ للنساء؛ إذ يعتمد أثرها على تصميمها القانوني وآليات تطبيقها وموقع النساء داخل القوائم الانتخابية، فضلًا عن طبيعة النظام الحزبي والانتخابي. وقد تؤدي الكوتا إلى زيادة العدد الكمي للنساء في المؤسسات المنتخبة دون أن تزيل بالضرورة العوائق السياسية والتنظيمية والثقافية التي تحد من قدرتهن على الوصول إلى مواقع مؤثرة داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية. كما تتأثر فاعلية حصص القوائم بموقع المرشحات وترتيبهن وقواعد تحويل الأصوات إلى مقاعد، بحيث قد تكون الحصة أقل فاعلية إذا لم تقترن بآليات تضمن فرصًا حقيقية لفوز المرشحات (Dahlerup, 2006).
يمكن النظر إلى زيادة تمثيل النساء في المجلس التشريعي باعتبارها إحدى نقاط القوة في التعديل الانتخابي؛ إذ يمكن أن تسهم في معالجة مشكلة نقص التمثيل السياسي للنساء وتعزيز حضورهن في المؤسسات المنتخبة. كما أن توسيع مشاركة النساء في الهيئات التشريعية ينسجم مع الاتجاه الدولي نحو تعزيز المساواة في المشاركة السياسية، ولا سيما من خلال اعتماد تدابير انتخابية تستهدف معالجة أوجه عدم التمثيل القائمة.
ويمثل تعزيز مشاركة النساء في البرلمان أحد الاتجاهات المهمة في إصلاح النظم الانتخابية المعاصرة، حيث انتشرت حصص التمثيل النسائي بوصفها إحدى الآليات المؤسسية الرامية إلى زيادة حضور النساء في المناصب المنتخبة. وتتنوع هذه الآليات بين المقاعد المحجوزة للنساء، والحصص القانونية للمرشحات داخل القوائم، والحصص الطوعية التي تعتمدها الأحزاب، مع اختلاف آثارها تبعًا لتصميم النظام الانتخابي وآليات تطبيق الحصة (Krook, 2009).
وتستند فكرة الحصص النسائية إلى أن المساواة القانونية في حق التصويت والترشح لا تضمن بالضرورة مساواة فعلية في الوصول إلى مواقع صنع القرار؛ إذ قد تستمر عوائق مؤسسية وحزبية واجتماعية تؤثر في فرص النساء في الترشح والفوز والارتقاء إلى مواقع القيادة السياسية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحصص باعتبارها إحدى أدوات معالجة الفجوة بين المساواة القانونية والتمثيل الفعلي للنساء في المؤسسات المنتخبة (Committee on the Elimination of Discrimination against Women, 2004).
وتُظهر التجارب المقارنة أن فاعلية الحصص لا تتوقف على تحديد نسبة معينة للنساء، وإنما تتأثر بتصميم الآلية الانتخابية وبقواعد إدراج المرشحات وترتيبهن داخل القوائم، وبطبيعة النظام الحزبي، فضلًا عن مدى قدرة النساء على الوصول إلى مواقع مؤثرة داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة. ولذلك، فإن زيادة العدد الكمي للنساء قد لا تؤدي وحدها إلى تمكين سياسي كامل إذا لم تقترن بآليات تتيح لهن التأثير الفعلي في عملية صنع القرار. وقد اعتمدت الدول نماذج مختلفة لتحقيق زيادة التمثيل النسائي، من بينها المقاعد المحجوزة، والحصص القانونية للمرشحات، والقواعد التي تنظم ترتيب النساء داخل القوائم، والحصص الحزبية الطوعية، مع تفاوت نتائج هذه الآليات باختلاف السياقات السياسية والمؤسسية (Krook, 2009).
ففي المادة (3) من القانون بقرار بقانون رقم (10) لسنة 2026م الرئاسي تم تعديل المادة (5) من القانون الأصلي لتصبح على النحو الاتي : 1يجب أن تتضمن كل قائمة من القوائم المرشحة للانتخابات حدًا أدنى لتمثيل المرأة وفقا ً للاتي:
أ. امرأة واحدة من بين الأسماء الثلاثة الأولى في القائمة.
ب. امرأة واحدة ضمن كل ثلاثة أسماء تلي ذلك على امتداد القائمة.
ج . يجوز للقائمة رفع تمثيل المرأة فيها إلى أي نسبة أعلى من الحد الأدنى المنصوص عليه في الفقرة (1) من هذه المادة.
يمكن النظر في هذه الزيادة لتمثيل النساء باعتبارها خطوة باتجاه معالجة الفجوة التاريخية بين المشاركة السياسية للنساء وبين حضورهن في مؤسسات صنع القرار، خصوصًا في المجتمع الفلسطيني التي واجهت فيها النساء عوائق اجتماعية وحزبية حالت دون وصولهن بصورة متناسبة إلى المواقع المنتخبة .
ومع ذلك، فإن رفع نسبة تمثيل النساء قد يتحول إلى تمثيل رمزي إذا اقتصر على زيادة العدد دون معالجة موقع النساء داخل الأحزاب، وآليات اختيار المرشحات، وقدرتهن على التأثير في صناعة القرار السياسي، إذ تشير الدراسات المقارنة إلى أن الكوتا تكون أكثر فاعلية عندما تقترن بإصلاحات داخلية في الأحزاب وضمانات حقيقية للوصول إلى مواقع مؤثرة .
سادسًا: تمثيل الشباب وإشكالية تجديد النخب السياسية
عزز القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026م دائرة الأهلية القانونية للمشاركة الشبابية في الترشيح، من خلال تعديل شرط سن الترشح لعضوية المجلس التشريعي، بحيث يشترط في المرشح أن يكون قد أتم الثالثة والعشرين عامًا من العمر أو أكثر في اليوم المحدد لإجراء الاقتراع. ويُعد خفض سن الترشح من التعديلات التي توسع نطاق الفئات العمرية المؤهلة قانونًا للمنافسة الانتخابية، بما يفتح المجال أمام مشاركة أكبر للشباب في المؤسسات التمثيلية. ويكتسب هذا التعديل أهمية خاصة في السياق الفلسطيني بالنظر إلى الوزن الديموغرافي للشباب، وإلى محدودية تمثيلهم في المؤسسات السياسية الرسمية مقارنة بحجمهم في المجتمع .
ويمثل خفض سن الترشح أحد المداخل القانونية لتعزيز المشاركة السياسية للشباب، إذ إن القواعد الانتخابية التي تحدد سن الأهلية للترشح تؤثر بصورة مباشرة في الفئات العمرية التي يمكنها الوصول إلى المنافسة الانتخابية. غير أن توسيع الأهلية القانونية لا يعني بالضرورة تحقق مشاركة سياسية فعلية؛ فالشباب يظلون في العديد من السياقات أقل حضورًا في المؤسسات السياسية الرسمية، الأمر الذي يجعل إزالة القيود القانونية مجرد خطوة أولى ضمن عملية أوسع لإدماجهم في الحياة السياسية (United Nations Development Programme, 2016).
وتتميز المشاركة الشبابية في هذا السياق بوجود فرق بين الأهلية القانونية للترشح والقدرة الفعلية على الوصول إلى مواقع التمثيل السياسي. فخفض سن الترشح يزيل قيدًا قانونيًا أمام فئة عمرية أوسع، لكنه لا يعالج بالضرورة القيود المرتبطة بآليات اختيار المرشحين، وترتيبهم داخل القوائم، والموارد المتاحة للحملات، وطبيعة المنافسة الحزبية. ولذلك، فإن تقييم أثر خفض سن الترشح ينبغي ألا يقتصر على عدد الشباب الذين أصبح بإمكانهم الترشح قانونيًا، بل يجب أن يمتد إلى فرصهم الفعلية في الوصول إلى مواقع قابلة للفوز (United Nations Development Programme, 2016).
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب اعتماد الانتخابات التشريعية على القوائم المغلقة وترتيب المرشحين داخلها؛ إذ يحدد ترتيب المرشحين داخل القائمة فرص وصولهم إلى المجلس وفق عدد المقاعد التي تحصل عليها القائمة. ومن ثم، فإن أهلية الشباب القانونية للترشح لا تضمن وحدها تمثيلهم في المجلس إذا لم تترافق مع إدراجهم في مواقع تنافسية داخل القوائم. وبذلك يمثل خفض سن الترشح شرطًا قانونيًا مهمًا لتوسيع قاعدة المشاركة، لكنه لا يشكل بمفرده شرطًا كافيًا لتحقيق تمثيل شبابي فعّال (دولة فلسطين، 2026).
ويمكن أن يسهم توسيع المشاركة السياسية للشباب في تجديد النخب السياسية وإدخال خبرات واهتمامات اجتماعية جديدة إلى عملية صنع السياسات، كما يمكن أن يعزز الصلة بين المؤسسات السياسية والفئات الشابة في المجتمع. غير أن تحقيق هذه الآثار يتوقف على طبيعة المشاركة نفسها، وعلى مدى انتقال الشباب من مجرد الحضور في العملية الانتخابية إلى المشاركة الفعلية في المؤسسات وصنع القرار. وتؤكد الأدبيات التنموية المتعلقة بالمشاركة السياسية للشباب أن إدماجهم في المؤسسات الرسمية يتطلب أكثر من مجرد إتاحة المشاركة الانتخابية، ويستدعي توفير مسارات تمكنهم من التأثير في القرارات والسياسات العامة (United Nations Development Programme, 2016).
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في السياق الفلسطيني في ضوء التحولات والأزمات المتراكمة التي شهدها المجتمع، بما فيها الحرب على قطاع غزة منذ عام 2023، والتي جعلت قضايا الشباب ودورهم في الاستجابة للأزمات وإعادة بناء المجتمع جزءًا من النقاش الأوسع حول مستقبل النظام السياسي والاجتماعي. غير أن ربط خفض سن الترشح مباشرةً بتداعيات الحرب يحتاج إلى دليل تجريبي مستقل؛ ولذلك ينبغي التعامل مع هذا الربط بوصفه مسألة تحليلية تحتاج إلى دراسة، وليس باعتباره نتيجة مثبتة بمجرد تعديل السن.
ومن المهم، في النهاية، التمييز بين التمثيل العددي للشباب والمشاركة السياسية المؤثرة. فوجود عدد أكبر من المرشحين الشباب أو النواب الشباب لا يضمن بالضرورة امتلاكهم قدرة مستقلة على التأثير في عملية صنع القرار، إذ تتأثر فاعلية مشاركتهم بمواقعهم داخل القوائم والأحزاب، وبمدى استقلاليتهم السياسية، وبقدرتهم على الوصول إلى مواقع صنع القرار داخل المؤسسات المنتخبة. ومن ثم، فإن نجاح سياسة توسيع المشاركة الشبابية ينبغي أن يقاس ليس فقط بزيادة عدد الشباب المؤهلين للترشح أو الفائزين في الانتخابات، وإنما أيضًا بمدى قدرتهم على ممارسة دور فعلي في التمثيل وصنع السياسات (United Nations Development Programme, 2016).
سابعًا: تمثيل المسيحيين والأقليات
شهد موضوع تمثيل المسيحيين في النظام الانتخابي الفلسطيني تطوراً مهماً مع الاتجاه إلى زيادة عدد المقاعد المخصصة لهم من ستة مقاعد في المجلس التشريعي الأول إلى عشرين مقعداً وفق التعديلات في القرار بقانون رقم (10) 2026 وهو ما يعكس إعادة تقييم لمكانة هذا المكوّن في النظام السياسي الفلسطيني. ويثير تخصيص مقاعد للمسيحيين نقاشًا دستوريًا يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحقيق المساواة في المجتمعات المتعددة. ففي الفقه الدستوري المقارن، يمكن تمييز اتجاهين رئيسيين.
الاتجاه الأول: يرى أن تخصيص ترتيبات تمثيلية خاصة لبعض الجماعات الدينية أو القومية أو الإثنية يمكن أن يكون وسيلة لمعالجة حالات عدم المساواة في التمثيل السياسي، ولا سيما عندما تؤدي قواعد الأغلبية أو آليات التمثيل العامة إلى إضعاف قدرة بعض الجماعات على الوصول إلى المؤسسات السياسية. وينطلق هذا الاتجاه من التمييز بين المساواة الشكلية والمساواة الفعلية، ومن أن تحقيق المشاركة السياسية المتكافئة قد يتطلب، في بعض السياقات، ترتيبات مؤسسية تراعي الخصائص الجماعية لبعض الأقليات وتتيح لها حضورًا فعليًا في مؤسسات الدولة (Kymlicka, 1995).
الاتجاه الثاني: في المقابل، يحذر اتجاه آخر من أن بناء التمثيل السياسي على أساس الانتماء الديني أو الطائفي قد يؤدي إلى تثبيت الهويات الجماعية داخل المؤسسات السياسية، بحيث يصبح الانتماء الطائفي أحد المحددات الدائمة لتوزيع السلطة والتمثيل. وترتبط هذه المخاوف بالأدبيات الخاصة بالديمقراطية التوافقية، التي ترى أن تقاسم السلطة بين الجماعات قد يوفر آلية لإدارة المجتمعات المنقسمة والحفاظ على الاستقرار السياسي، لكنه قد يواجه في الوقت نفسه خطر تحويل الانقسامات المجتمعية إلى ترتيبات مؤسسية دائمة إذا لم تتطور معها مؤسسات سياسية عابرة للجماعات (Lijphart, 1999).
ورغم أهمية هذه الآليات في حماية التمثيل السياسي للمسيحيين، فإنها تواجه تحديات متزايدة. فالتراجع الديموغرافي الناتج عن الهجرة يضعف القاعدة الانتخابية التي تستند إليها الكوتا، ويحولها من أداة تعكس الوزن السكاني إلى وسيلة لحماية وجود تاريخي مهدد. كما تبرز إشكالية توظيف الكوتا حزبياً، إذ قد تتحول المقاعد المخصصة للمسيحيين إلى مجال للتنافس بين القوى السياسية الكبرى بدلاً من أن تكون تعبيراً مستقلاً عن قضايا المجتمع المسيحي واحتياجاته. ويضاف إلى ذلك أن تعطّل الانتخابات العامة منذ عام 2006 أدى إلى تجميد عملية تجديد النخب السياسية، بما في ذلك القيادات المسيحية الشابة، وأضعف دور المؤسسات التمثيلية في تجسيد التنوع المجتمعي.
وتبقى جدلية الكوتا مقابل المواطنة المتساوية حاضرة في النقاش الفلسطيني؛ فبينما يرى مؤيدوها أنها ضرورة مرحلية لحماية مكوّن تاريخي في ظل التراجع العددي والضغوط السياسية، يرى منتقدوها أنها قد تعزز التصنيف الديني على حساب مفهوم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية. ومع ذلك، فإن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل تمثيل المسيحيين أقرب إلى كونه أداة للحفاظ على التنوع الوطني والثقافي وليس مجرد ترتيب انتخابي. فحماية الوجود المسيحي في فلسطين ترتبط بحماية الرواية التاريخية للمدن الفلسطينية المقدسة، وتعزيز صمود المجتمع في مواجهة محاولات تغيير طابعه الديموغرافي والثقافي
ثامناً: القرار بقانون رقم (10) 2026 وإعادة تشكيل موازين القوى السياسية
لا تُقاس مشروعية القواعد المنظمة للانتخابات في النظم الديمقراطية بمجرد استنادها إلى أساس قانوني داخلي، وإنما ينبغي أيضًا تقييمها في ضوء المبادئ الدستورية الحاكمة للانتخابات والمعايير الدولية ذات الصلة بالحقوق السياسية والمساواة وتكافؤ الفرص. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يتعلق التعديل بعناصر أساسية في النظام الانتخابي؛ إذ تؤكد المعايير الانتخابية المقارنة ضرورة استقرار القواعد الأساسية للانتخابات وعدم إخضاعها لتغييرات متكررة أو قريبة من موعد الاقتراع بما قد يثير شبهة توظيفها لمصالح سياسية آنية (Venice Commission, 2002).
وفي السياق الفلسطيني، تكتسب مسألة مشروعية إصدار القرارات بقوانين أهمية خاصة في ظل استمرار غياب المجلس التشريعي المنتخب عن ممارسة وظائفه التشريعية بصورة منتظمة، وما ترتب على ذلك من توسع في استخدام أداة القرار بقانون لتنظيم مسائل تدخل في المجال التشريعي. ويستند الاختصاص الاستثنائي لرئيس السلطة الوطنية في هذا المجال إلى المادة (43) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، التي تجيز له، في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير وخلال غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، مع إلزامه بعرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدورها، وإلا زال ما كان لها من قوة القانون (القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، المادة 43).
وتثير ممارسة الاختصاص المنصوص عليه في المادة (43) سؤالًا دستوريًا يتجاوز مجرد وجود سلطة إصدار القرار بقانون إلى مدى انطباق شرط الضرورة على موضوع القرار ونطاقه. فالنص الدستوري لا يمنح سلطة مطلقة في التشريع بقرار بقانون، وإنما يربط ممارستها بحالة محددة هي «الضرورة التي لا تحتمل التأخير»، كما يضع قيدًا إجرائيًا يتمثل في وجوب عرض القرار على المجلس التشريعي عند انعقاده. ومن ثم، فإن تقييم قرار بقانون يتعلق بتعديل عناصر أساسية في النظام الانتخابي يقتضي بحث طبيعة الظرف الذي استند إليه القرار، ومدى توافر عنصر الضرورة، ومدى اتصال التعديل بالغاية التي تبرر استعمال السلطة الاستثنائية (القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، المادة 43).
ومن منظور دستوري مقارن، تقتضي السلطات الاستثنائية قدرًا مرتفعًا من التقييد والرقابة؛ لأن توسع السلطة التنفيذية في ممارسة اختصاصات ذات طبيعة تشريعية خارج الإطار العادي للعملية التشريعية قد يثير إشكالات تتعلق بالفصل بين السلطات والرقابة الديمقراطية. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تمتد التدابير الاستثنائية إلى تعديل القواعد المنظمة للمنافسة السياسية والانتخابات، باعتبارها من القواعد الأساسية التي تحدد شروط ممارسة السلطة السياسية وتداولها. ولذلك، فإن مشروعية القرار بقانون في هذا المجال لا تتحدد فقط بوجود سند دستوري لإصداره، وإنما أيضًا بمدى توافر شروط استعمال السلطة الاستثنائية وبمدى تناسب مضمون التعديل مع الغرض الذي أجاز الدستور من أجله هذا الاختصاص (Venice Commission, 2002).
ويمثل الحديث عن المرسوم الانتخابي وإعادة تشكيل موازين القوى السياسية مدخلا رئيسيا لفهم الجوهر السياسي للهندسة الانتخابية، حيث تبتعد قواعد اللعبة الانتخابية عن كونها مجرد أطر إدارية أو إجرائية محايدة، لتتحول إلى أداة سياسية حاسمة في تحديد أحجام القوى وتوزيع الفرص بين الأطراف المتنافسة. يتجلى هذا البعد العملي بشكل جلي عند تشريح أثر النظام الانتخابي على حركة الأحزاب الكبرى وصياغة خارطة النفوذ، إذ إن اختيار صيغة انتخابية بعينها، مثل نظام التمثيل النسبي المقترن بنسبة حسم منخفضة كما هو وار في القرار بقانون المشار إليه، يفتح الباب واسعا أمام دخول قوى سياسية جديدة وحركات ناشئة إلى القبة البرلمانية، وهو ما يؤدي بشكل مباشر إلى تفتيت الأصوات والحد من قدرة التنظيمات المهيمنة على احتكار المشهد أو تحقيق أغلبيات مريحة، مما يجبر الكتل التاريخية على إعادة النظر في استراتيجياتها وبناء تحالفات مرنة لاستيعاب القوى الصاعدة. في المقابل، تشكل النصوص والقواعد الانتخابية الأكثر صرامة، كرفع نسبة الحسم أو اعتماد أسلوب الدوائر الضيقة المقترنة بالتمثيل الأكثري، عائقا كبيرا أمام الأحزاب الصغيرة والمستقلين، حيث تحصن الوضع القائم وتمنح الأحزاب التقليدية الكبرى ميزة تفضيلية تمكنها من إعادة إنتاج نفوذها والحفاظ على مواقعها القيادية داخل المؤسسة التشريعية. يتضح من هذا التناقض الجوهري أن أي تعديل يُدخل على التشريعات أو المراسيم الانتخابية، بغض النظر عن المسوغات التقنية والتنظيمية التي تُساق لبرير تطبيقه، ينطوي بالضرورة على أبعاد وسياسات عميقة تعيد توزيع أوراق القوة، وتصيغ قواعد التحالفات، وتحدد شكل وطبيعة النظام السياسي برمته للسنوات التالية. لذلك فإن أي تعديل انتخابي يحمل بالضرورة آثارًا سياسية، حتى لو قدم باعتباره تعديلًا تقنيًا.
تاسعاً: المراجعة النقدية للقرار
تُعد قاعدة استقرار القانون الانتخابي (Stability of Electoral Law) من المبادئ المهمة في القانون الانتخابي المقارن؛ إذ تؤكد مدونة الممارسات الجيدة في المسائل الانتخابية الصادرة عن لجنة البندقية ضرورة استقرار العناصر الأساسية للتشريع الانتخابي، وعدم إدخال تعديلات جوهرية عليها قبل الانتخابات بفترة قصيرة، ولا سيما تلك المتعلقة بالنظام الانتخابي وتشكيل الهيئات الانتخابية وتقسيم الدوائر، بما يتيح للناخبين والأحزاب والمرشحين الاستعداد للعملية الانتخابية في ظل قواعد واضحة ومستقرة (Venice Commission, 2002).
ولا يعني مبدأ استقرار القانون الانتخابي تحصين التشريعات الانتخابية من التعديل، فالقواعد الانتخابية قابلة للإصلاح والتطوير استجابة للتحولات السياسية والاجتماعية والمؤسسية. غير أن التغيير في هذه القواعد قد يؤثر في الحوافز التي تواجه الأحزاب والمرشحين والناخبين وفي نتائج التمثيل السياسي؛ ولذلك ينبغي تقييم الإصلاحات الانتخابية من حيث آثارها المؤسسية والسلوكية، وليس باعتبارها تعديلات تقنية محضة (Norris, 2004).
ومن الناحية التحليلية، يمكن التمييز بين الشرعية الانتخابية والشرعية الدستورية باعتبارهما مستويين مترابطين، وإن كانا غير متطابقين. فالشرعية الانتخابية تتصل بمدى نزاهة العملية الانتخابية وقدرتها على التعبير عن الاختيار الحر للناخبين، بينما تتعلق الشرعية الدستورية بمدى صدور القواعد والقرارات العامة عن السلطات المختصة ووفق الإجراءات والقيود التي يحددها الإطار الدستوري. ومن ثم، فإن سلامة العملية الانتخابية من حيث نزاهتها لا تحسم وحدها مسألة المشروعية الدستورية للقواعد التي تنظمها، كما أن سلامة الأساس الدستوري للتشريع لا تكفي وحدها لإثبات أن العملية الانتخابية كانت حرة ونزيهة.
وبناءً على هذا التمييز، فإن إجراء الانتخابات، وإن كان يمثل خطوة مهمة نحو تجديد المؤسسات، فإنها لا تؤدي تلقائيًا إلى استعادة الشرعية الدستورية إذا ظل الإطار المؤسسي يعاني اختلالات تتعلق بالفصل بين السلطات، أو الرقابة الدستورية، أو انتظام الحياة البرلمانية.
وفي الحالة الفلسطينية، يزداد هذا التمييز أهمية لأن الانتخابات ستجري في ظل واقع دستوري استثنائي اتسم بتعطيل المجلس التشريعي لفترة طويلة، واعتماد السلطة التنفيذية بصورة متكررة على القرارات بقوانين، الأمر الذي يجعل الانتخابات شرطًا ضروريًا لاستعادة الشرعية، لكنها ليست شرطًا كافيًا بمفردها.
ومن ثم، فإن تقييم المرسوم الرئاسي لا ينبغي أن يقتصر على مشروعية التعديل في ذاته، وإنما يجب أن يشمل أيضًا توقيته، ومدى تأثيره في تكافؤ الفرص بين المتنافسين، واستقرار البيئة القانونية للانتخابات.
ويمثل القرار الرئاسي بإجراء الانتخابات خطوة مهمة نحو إعادة تفعيل المسار الديمقراطي الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الجمود وتعطّل المؤسسات المنتخبة، كما يوفر فرصة لتجديد الشرعية السياسية وإعادة إشراك فئات اجتماعية وسياسية ظلت محدودة الحضور في مراكز صنع القرار، بما في ذلك النساء والشباب والمكونات المجتمعية المختلفة. كما يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية على أساس المشاركة والتمثيل.
ومع ذلك، فإن أهمية الانتخابات لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حلاً منفرداً لأزمة النظام السياسي الفلسطيني، إذ إن أزمة الشرعية ترتبط بعوامل أعمق تتعلق بالانقسام الداخلي، وضعف البناء المؤسسي، وتراجع الثقة الشعبية، والقيود التي يفرضها الاحتلال على قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة صلاحياتها. كما أن تعديل القواعد الانتخابية، بما في ذلك ترتيبات التمثيل والكوتا، يحتاج إلى توافق سياسي ومجتمعي واسع حتى لا يتحول إلى أداة لإدارة التوازنات بين القوى السياسية بدلاً من أن يكون إصلاحاً ديمقراطياً حقيقياً.
وعليه، فإن نجاح الانتخابات كمسار إصلاحي يتطلب أن تكون جزءاً من عملية سياسية ومؤسسية أشمل تشمل إعادة بناء النظام الدستوري، وتعزيز الفصل بين السلطات، وضمان استقلال المؤسسات، ومعالجة آثار الانقسام السياسي. فالقيمة الحقيقية للانتخابات لا تكمن فقط في إجرائها، وإنما في قدرتها على إنتاج نظام سياسي أكثر تمثيلاً وشرعية وقدرة على الاستجابة للتحديات الوطنية.
في ضوء التحليل السابق، يمكن تقديم تقييم متوازن يقوم على التمييز بين مستويين:
فعلى المستوى الأول، يمثل المرسوم خطوة مهمة نحو استعادة الانتظام الانتخابي، ويعكس إدراكًا لضرورة إعادة تجديد المؤسسات المنتخبة بعد فترة طويلة من الجمود، وهو هدف يتوافق مع المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل حق المواطنين في المشاركة في إدارة الشؤون العامة والترشح والانتخاب في انتخابات دورية وحقيقية.
أما على المستوى الثاني، فإن بعض التعديلات التي تمس بنية النظام الانتخابي تثير تساؤلات دستورية بشأن مدى اتساقها مع مبدأ الفصل بين السلطات، وحدود سلطة الرئيس في إصدار القرارات بقوانين، ومدى احترام مبدأ استقرار التشريع الانتخابي، وهي تساؤلات لا يمكن حسمها إلا في ضوء رقابة دستورية مستقلة أو توافق سياسي وتشريعي واسع.
وبناءً عليه، فإن المرسوم يمكن اعتباره أداة لإعادة تنشيط العملية الانتخابية أكثر من كونه وثيقة تؤسس بذاتها لإعادة بناء الشرعية الدستورية؛ إذ تبقى إعادة بناء الشرعية عملية مركبة تتطلب انتظام الانتخابات، وعودة السلطة التشريعية لممارسة اختصاصاتها، وتعزيز استقلال القضاء، واحترام مبدأ سيادة القانون
المصادر:
Beetham, D. (1991). The legitimation of power. Palgrave Macmillan.
Committee on the Elimination of Discrimination against Women. (2004). General recommendation No. 25: Article 4, paragraph 1, of the Convention (temporary special measures). United Nations.
Dahlerup, D. (Ed.). (2006). Women, quotas and politics. Routledge.
European Commission for Democracy through Law (Venice Commission). (2002). Code of good practice in electoral matters: Guidelines and explanatory report (CDL-AD(2002)023rev2-cor). Council of Europe.
Freedom House. (2024). Gaza Strip: Freedom in the World 2024 country report. Freedom House – Gaza Strip: Freedom in the World 2024
International Institute for Democracy and Electoral Assistance. (n.d.). Gender Quotas Database. Retrieved August 8, 2026, from International IDEA Gender Quotas Database
Krook, M. L. (2009). Quotas for women in politics: Gender and candidate selection reform worldwide. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780195375671.001.0001
Kymlicka, W. (1995). Multicultural citizenship: A liberal theory of minority rights. Oxford University Press.
Lijphart, A. (1977). Democracy in plural societies: A comparative exploration. Yale University Press.
Norris, P. (2004). Electoral engineering: Voting rules and political behavior. Cambridge University Press.
OECD. (2024). OECD public governance reviews: Palestinian Authority: Strengthening public administration for better outcomes. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/7425e72f-en.
Reynolds, A., Reilly, B., & Ellis, A. (2005). Electoral system design: The new International IDEA handbook. International Institute for Democracy and Electoral Assistance.
United Nations Development Programme. (2016). Enhancing youth political participation throughout the electoral cycle: A good practice guide. United Nations Development Programme.
United Nations. (1979). Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women. United Nations.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2017). إطار للوحدة والمصالحة في دولة فلسطين. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني.
دولة فلسطين. (2003). القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م. المجلس التشريعي الفلسطيني/لجنة الانتخابات المركزية. النص المنشور للقانون الأساسي المعدل
دولة فلسطين. (2007). قرار بقانون رقم (1) لسنة 2007م بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته. قاعدة التشريعات الفلسطينية، ديوان الفتوى والتشريع. قاعدة التشريعات الفلسطينية – قرار بقانون الانتخابات العامة