قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (3)

البيئة السياسية والقانونية المحيطة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية: بين متطلبات الشرعية الديمقراطية وقيود الواقع

الإثنين - 2026/08/10 12:01 صباحاً

قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (3)

البيئة السياسية والقانونية المحيطة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية: بين متطلبات الشرعية الديمقراطية وقيود الواقع

نشر بتاريخ الإثنين - 2026/08/10
+ Aa -

سلسلة أوراق بحثية تحليلية تصدر عن وحدة الدراسات والبحوث – جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي

"دفاتر الدراسات الانتخابية الفلسطينية"

سلسلة بحثية تهدف إلى متابعة وتحليل القضايا المرتبطة بالانتخابات الفلسطينية، من خلال قراءة الأبعاد القانونية والدستورية والسياسية للعملية الانتخابية، ومناقشة تطوراتها في ضوء المعايير الدولية والتجارب المقارنة.

وتسعى السلسلة إلى تقديم محتوى بحثي موثق يساهم في إثراء النقاش العام، وتعزيز المعرفة بالقضايا الانتخابية، ودعم الحوار حول المشاركة السياسية والتمثيل الديمقراطي وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.

 

الورقة الثالثة

قراءات في القرار بقانون رقم (10) 2026 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته (3)

البيئة السياسية والقانونية المحيطة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية: بين متطلبات الشرعية الديمقراطية وقيود الواقع

لا يمكن تقييم القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026م الخاص بالانتخابات التشريعية بمعزل عن البيئة السياسية والقانونية التي سيطبق فيها؛ إذ لا تقتصر المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة على وجود تشريع انتخابي أو هيئة مختصة بإدارة الانتخابات، وإنما تمتد إلى توافر الشروط التي تمكن المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية بصورة فعلية، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والمشاركة في الشأن العام، على أساس المساواة وعدم التمييز. ومن ثم، فإن تقييم الإطار الانتخابي يقتضي النظر في مدى قدرة البيئة السياسية والمؤسسية القائمة على توفير الشروط اللازمة لممارسة الحقوق الانتخابية بصورة حرة وفعالة (Human Rights Committee, 1996).

وتؤكد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم (25) بشأن المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة يتطلب توفير إطار قانوني ومؤسسي يكفل للمواطنين ممارسة حقوقهم السياسية بصورة فعلية، بما يشمل حرية التعبير والتجمع والتنظيم، وإتاحة الفرصة للناخبين للمشاركة بصورة حقيقية في اختيار ممثليهم. كما تؤكد اللجنة أن الانتخابات يجب أن تُجرى بصورة دورية وفي إطار يكفل التعبير الحر عن إرادة الناخبين، وأن تكون القيود المفروضة على ممارسة الحقوق السياسية قائمة على أسس قانونية ومبررات موضوعية ومعقولة (Human Rights Committee, 1996).

وفي الحالة الفلسطينية، تتداخل مجموعة من العوامل البنيوية والاستثنائية التي تجعل تقييم البيئة الانتخابية أكثر تعقيدًا من مجرد فحص النصوص القانونية، إذ تتفاعل آثار الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام السياسي، وتعطل المؤسسات الدستورية، والحرب الواسعة على قطاع غزة، مع تغيرات اجتماعية وديموغرافية عميقة. ومن ثم، فإن تقييم إمكانية إجراء انتخابات حرة ينبغي أن ينطلق من تحليل هذه البيئة باعتبارها شرطًا سابقًا على العملية الانتخابية نفسها.

أولًا: الاحتلال الإسرائيلي وتأثيره على البيئة الانتخابية

يشكل الاحتلال الإسرائيلي أحد أكثر المتغيرات تأثيرًا في البيئة التي يمكن أن تُجرى فيها الانتخابات الفلسطينية، لما يترتب عليه من قيود مباشرة وغير مباشرة على ممارسة الحقوق السياسية والوصول إلى المؤسسات والعملية الانتخابية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2004 أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تخضع للاحتلال الإسرائيلي، وأن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبقان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويجعل هذا الوضع القانوني ممارسة السلطة الفلسطينية لاختصاصاتها الانتخابية مرتبطة بواقع سياسي وقانوني يتجاوز نطاق سيطرتها المباشرة (International Court of Justice, 2004).

وتبين تجربة الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2006 أن القيود المرتبطة بالاحتلال كان لها تأثير ملموس في البيئة الانتخابية، ولا سيما فيما يتعلق بحرية الحركة والوصول إلى بعض المناطق وممارسة النشاط الانتخابي في القدس الشرقية. وقد رصدت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات عددًا من القيود والإشكالات المرتبطة بالبيئة السياسية والأمنية وبحرية الحركة والنشاط الانتخابي، بما في ذلك ظروف ممارسة الحملة الانتخابية في القدس الشرقية (European Union Election Observation Mission, 2006).

وتنص المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل مواطن في المشاركة في الشؤون العامة والانتخاب والترشح في انتخابات دورية وحقيقية تجرى على أساس الاقتراع العام والمتساوي وبالاقتراع السري، بما يكفل التعبير الحر عن إرادة الناخبين. كما تؤكد لجنة حقوق الإنسان أن القيود المفروضة على ممارسة الحقوق السياسية يجب ألا تكون غير معقولة أو تمييزية. وفي السياق الفلسطيني، يثير استمرار القيود على الحركة والوصول إلى أماكن ممارسة النشاط الانتخابي والحملة الانتخابية سؤالًا حول مدى إمكانية توفير الشروط العملية اللازمة لممارسة هذه الحقوق بصورة متساوية وفعالة (Human Rights Committee, 1996).

ولا يعني وجود هذه القيود أن إجراء الانتخابات يصبح مستحيلًا من الناحية القانونية بالضرورة، وإنما يعني أن تقييم حريتها ونزاهتها لا ينبغي أن يقتصر على فحص التشريع الانتخابي والمؤسسات المسؤولة عن إدارة الانتخابات، بل يجب أن يشمل أيضًا البيئة الفعلية التي يمارس فيها الناخبون والمرشحون والأحزاب حقوقهم السياسية. ومن ثم، فإن الاحتلال يمثل متغيرًا بنيويًا ينبغي إدخاله في تقييم إمكانية إجراء انتخابات فلسطينية تستوفي المعايير الدولية للحرية والنزاهة، مع التمييز بين القيود التي تقع ضمن اختصاص السلطة الفلسطينية والقيود الناجمة عن واقع الاحتلال.

ثانياً: الانقسام الفلسطيني

يمثل الانقسام السياسي الفلسطيني منذ عام 2007 أحد أبرز التحديات البنيوية أمام إعادة بناء نظام سياسي وانتخابي موحد؛ إذ أدى الانقسام الذي أعقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007 إلى نشوء واقع مؤسسي وسياسي منقسم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، انعكس على بنية الحكم والإدارة العامة وعلى أداء المؤسسات الرسمية في الجانبين. وقد أضعف استمرار هذا الانقسام وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وأوجد ترتيبات مؤسسية وقانونية متباينة، الأمر الذي جعل إعادة توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات عامة في جميع الأراضي الفلسطينية أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية والإدارية (International Crisis Group, 2018).

ولا تقتصر آثار الانقسام على البنية السياسية العامة، بل تمتد إلى البيئة المؤسسية اللازمة لتنظيم الانتخابات وإدارتها؛ إذ تتطلب الانتخابات الوطنية الموحدة وجود حد أدنى من التوافق بشأن اختصاصات المؤسسات العامة، وآليات تنفيذ القواعد الانتخابية، وضمان حياد أجهزة الدولة، وقدرة الجهات المختصة على تطبيق القرارات الانتخابية بصورة متسقة في مختلف المناطق. ومن ثم، فإن استمرار الانقسام يطرح تحديًا أمام توحيد الإطار المؤسسي الذي ستجري في ظله الانتخابات، ويجعل مسألة إجراء انتخابات موحدة مرتبطة ليس فقط بوجود تشريع انتخابي، وإنما أيضًا بمدى توافر بيئة مؤسسية قادرة على تطبيقه بصورة متسقة (International Crisis Group, 2018).

ولم تقتصر آثار الانقسام الفلسطيني على البنية المؤسسية، بل انعكست أيضًا على البيئة السياسية والثقة بالمؤسسات العامة؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي الفلسطينية استمرار مستويات مرتفعة من عدم الرضا عن أداء المؤسسات، وتباينًا واضحًا في تقييم المؤسسات القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب استمرار التشاؤم بشأن فرص المصالحة السياسية. كما أظهرت نتائج عام 2021 مؤشرات على ضعف الثقة بالسلطات وقدرة المواطنين على انتقادها بحرية، بما يعكس استمرار آثار الانقسام على البيئة السياسية والمؤسسية الفلسطينية (Palestinian Center for Policy and Survey Research, 2021).

وتشير أدبيات الديمقراطية التوافقية إلى أن الانتخابات في المجتمعات المنقسمة لا تؤدي تلقائيًا إلى إنهاء الصراعات أو تحقيق الاستقرار السياسي؛ إذ تعتمد نتائجها بدرجة كبيرة على طبيعة المؤسسات السياسية وقواعد المنافسة وقدرة القوى المتنافسة على قبول نتائج العملية الانتخابية. وقد تتحول الانتخابات، في ظل الانقسامات المجتمعية والسياسية الحادة وغياب الترتيبات التي تضمن مشاركة مختلف المكونات، إلى آلية تعيد إنتاج التنافس والصراع بدلًا من تسويته. وفي المقابل، يمكن للترتيبات المؤسسية التي تشجع تقاسم السلطة والتوافق بين الجماعات المتنافسة أن تساعد في إدارة الانقسامات والحفاظ على الاستقرار السياسي، شريطة وجود قبول واسع بقواعد العملية السياسية (Lijphart, 1977).

 

ومن هذا المنطلق، فإن الإشكالية الأساسية التي تواجه الانتخابات الفلسطينية لا تكمن في تصميم النظام الانتخابي أو في الجوانب الإجرائية المتعلقة بتسجيل الناخبين أو إدارة عملية الاقتراع فحسب، وإنما في البيئة السياسية التي ستُجرى فيها هذه الانتخابات. فوجود نظام انتخابي متطور أو إطار قانوني متكامل لا يكفي وحده لضمان نجاح العملية الديمقراطية في ظل استمرار الانقسام، وغياب التوافق الوطني، وضعف الثقة المتبادلة بين القوى السياسية، واستمرار الخلافات بشأن مرجعيات السلطة وتوزيع الصلاحيات. ولذلك فإن نجاح أي انتخابات فلسطينية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الفاعلين السياسيين على الاتفاق المسبق على قواعد المنافسة الديمقراطية، والالتزام باحترام نتائج الانتخابات، وتوفير آليات مستقلة وموثوقة لحل النزاعات الانتخابية، بما يضمن انتقالًا سلميًا للسلطة ويحول دون تحول الانتخابات إلى عامل جديد لتكريس الانقسام بدلاً من تجاوزه .

ثالثا: النزوح الداخلي

أدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى موجات واسعة ومتكررة من النزوح الداخلي، شملت غالبية سكان القطاع، نتيجة أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية وتدمير المنازل والبنية التحتية وتدهور الخدمات الأساسية. وقد أصبح النزوح المتكرر سمة رئيسية للحياة المدنية في قطاع غزة؛ إذ قدرت الأمم المتحدة أن نحو 1.9 مليون شخص تعرضوا للنزوح الداخلي خلال عام 2024، بما يعادل نحو تسعة من كل عشرة من سكان القطاع، مع تعرض كثير منهم للنزوح أكثر من مرة. واستمرت موجات النزوح خلال عام 2025 مع اتساع مناطق أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية، الأمر الذي أدى إلى انتقال السكان بصورة متكررة بين مناطق ومواقع نزوح مختلفة داخل القطاع (United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs [OCHA], 2025).

وقد أسهمت هذه التحركات المتكررة في إعادة توزيع السكان داخل قطاع غزة بصورة متغيرة، حيث دفعت موجات النزوح المتعاقبة أعدادًا كبيرة من السكان إلى البحث عن أماكن أكثر أمانًا أو إلى مواقع نزوح مكتظة، قبل أن تؤدي أوامر إخلاء جديدة وتغيرات الوضع الميداني إلى موجات نزوح إضافية. وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن هذه التحركات لم تكن حدثًا واحدًا، وإنما عملية مستمرة ومتكررة ارتبطت بتغير مناطق العمليات وأوامر الإخلاء وتوافر أماكن الإيواء والخدمات الأساسية (United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs [OCHA], 2025).

ولا تقتصر آثار هذا النزوح على الجوانب الإنسانية، وإنما تمتد بصورة مباشرة إلى العملية الانتخابية، إذ يفرض تحديات قانونية وإدارية غير مسبوقة أمام إدارة الانتخابات وضمان سلامتها. فالسجل الانتخابي، الذي يُعد الأساس الذي تقوم عليه العملية الانتخابية، يرتبط في العادة بمكان إقامة الناخب ضمن دائرة انتخابية محددة، بينما أدى النزوح الجماعي إلى تغير أماكن إقامة ملايين المواطنين بصورة مؤقتة أو دائمة، الأمر الذي يثير إشكالات تتعلق بدقة بيانات الناخبين، وآليات تحديث السجل الانتخابي، وربط الناخب بمركز اقتراع مناسب دون المساس بحقوقه السياسية.

كما يثير النزوح الداخلي تحديات إضافية تتعلق بتحديد مواقع مراكز الاقتراع في ضوء التوزيع السكاني الجديد، وضمان قدرة الناخبين على الوصول إليها بأمان، ولا سيما في ظل تضرر شبكات الطرق، ودمار عدد كبير من المباني العامة التي كانت تستخدم سابقًا كمراكز انتخابية، إضافة إلى استمرار وجود تجمعات كبيرة من السكان في مراكز الإيواء والمخيمات المؤقتة. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على سرية الاقتراع واستقلال إرادة الناخب داخل بيئات النزوح المكتظة، التي قد يصعب فيها توفير الظروف الملائمة لإجراء عملية اقتراع تتوافر فيها معايير الخصوصية والنزاهة.

ومن منظور حقوق الإنسان، ينبغي ألا يؤدي النزوح الداخلي إلى حرمان المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية، بما في ذلك الحق في التصويت. ويقتضي مبدأ المساواة في ممارسة الحقوق الانتخابية أن تكون القيود المفروضة على المشاركة قائمة على أسس قانونية وموضوعية وألا تؤدي إلى استبعاد فئات من المواطنين بسبب ظروفهم المعيشية أو مكان إقامتهم. وفي حالات النزوح الواسع، يقتضي ذلك من السلطات الانتخابية اتخاذ التدابير المناسبة التي تمكن الناخبين النازحين من ممارسة حقهم في التصويت بصورة فعلية، بما يتلاءم مع ظروف النزوح ومتطلبات سلامة العملية الانتخابية (Venice Commission, 2002).

وتؤكد مدونة الممارسات الجيدة في المسائل الانتخابية أن مبدأ المساواة في الاقتراع يتطلب تمكين الناخبين من ممارسة حقهم في التصويت بصورة متساوية، وأن الإجراءات المتعلقة بممارسة هذا الحق ينبغي ألا تفرض عوائق غير مبررة أمام المشاركة الانتخابية. ومن ثم، فإن ضمان إمكانية وصول النازحين إلى العملية الانتخابية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مسألة لوجستية محضة، وإنما باعتباره جزءًا من الالتزام بضمان ممارسة الحقوق الانتخابية على أساس المساواة وعدم التمييز (Venice Commission, 2002).

 

ومن ثم، فإن أي عملية انتخابية فلسطينية مستقبلية ستكون مطالبة بوضع سياسة انتخابية خاصة للتعامل مع أوضاع النازحين داخليًا، تستند إلى تحديث شامل للسجل الانتخابي، وإعادة توزيع مراكز الاقتراع بما يتناسب مع الواقع السكاني الجديد، واعتماد آليات مرنة لتسجيل الناخبين والتحقق من بياناتهم، بما يضمن عدم إقصاء أي مواطن من ممارسة حقه الدستوري بسبب ظروف النزوح القسري. فنجاح الانتخابات في مرحلة ما بعد الحرب لن يقاس فقط بسلامة الإجراءات القانونية، وإنما أيضًا بقدرتها على استيعاب التحولات الديموغرافية التي فرضها النزوح، وضمان مشاركة سياسية متكافئة لجميع المواطنين دون تمييز.

رابعًا: الدمار الواسع للبنية التحتية

تُعد البنية التحتية المدنية أحد المقومات الأساسية لنجاح أي عملية انتخابية، إذ تعتمد إدارة الانتخابات على توافر شبكة متكاملة من المرافق العامة والخدمات اللوجستية التي تضمن تنفيذ جميع مراحل العملية الانتخابية بكفاءة وحياد. وتشمل هذه المقومات المباني العامة والمدارس التي تُستخدم عادةً كمراكز للاقتراع، وشبكات الطرق ووسائل النقل التي تيسر وصول الناخبين والعاملين في الانتخابات، وشبكات الاتصالات والإنترنت اللازمة لإدارة قواعد البيانات ونقل المعلومات، إضافة إلى خدمات الكهرباء والطاقة، والمرافق الإدارية التي تعتمد عليها لجان الانتخابات في تسجيل الناخبين، وتدريب الكوادر، وتجميع النتائج وإعلانها. ومن ثم، فإن سلامة البنية التحتية تمثل شرطًا عمليًا لضمان نزاهة العملية الانتخابية، وليست مجرد عنصر لوجستي مساعد.

 وقد تعرضت البنية التحتية المدنية والمؤسسية في قطاع غزة لدمار واسع النطاق نتيجة الحرب، شمل قطاعات الإسكان، والتعليم، والصحة، والمياه والصرف الصحي، والطاقة، والنقل والاتصالات، إضافة إلى أضرار لحقت بالمباني والمنشآت العامة. وقد خلص التقييم المشترك الذي أجرته الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي إلى أن الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية امتدت إلى مختلف القطاعات الرئيسية في قطاع غزة، وأثرت بصورة عميقة في قدرة المؤسسات والبنية التحتية المدنية على تقديم الخدمات الأساسية للسكان (World Bank, European Union, & United Nations, 2024).

ويمتد أثر هذا الدمار إلى البيئة المؤسسية اللازمة لإدارة أي عملية انتخابية مستقبلية؛ إذ تعتمد الانتخابات، إلى جانب الإطار القانوني والهيئات المختصة، على توافر بنية تحتية مادية تشمل المباني العامة ومراكز التسجيل والاقتراع ووسائل الاتصال والنقل واللوجستيات اللازمة لإدارة العملية الانتخابية. ولذلك، فإن حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية في قطاع غزة يفرض تحديات عملية أمام إعادة بناء البيئة المادية والمؤسسية اللازمة لإجراء انتخابات يمكن إدارتها بصورة فعالة ومتساوية (World Bank, European Union, & United Nations, 2024).

 

ويفرض هذا الواقع تحديات مباشرة أمام لجنة الانتخابات المركزية عند التخطيط لأي استحقاق انتخابي مستقبلي. فإعادة توزيع مراكز الاقتراع ستصبح ضرورة عملية في ظل تدمير عدد كبير من المدارس والمباني العامة، كما أن تضرر شبكات الطرق قد يحد من قدرة الناخبين على الوصول إلى مراكز التصويت، خاصة في المناطق التي تعرضت لدمار واسع أو ما تزال تعاني من صعوبة الحركة. كذلك فإن الانقطاعات المستمرة في الكهرباء وخدمات الاتصالات قد تؤثر في إدارة قواعد البيانات الإلكترونية، وفي عمليات الاتصال بين المكاتب الانتخابية، وفي سرعة نقل النتائج الأولية، بما قد ينعكس على كفاءة العملية الانتخابية وشفافيتها.

ولا يقتصر أثر الدمار على الجوانب الإدارية والفنية، وإنما يمتد إلى ضمانات العدالة الانتخابية ذاتها. فالتوزيع غير المتوازن لمراكز الاقتراع نتيجة تدمير بعض المناطق دون غيرها قد يؤدي إلى تفاوت فعلي في فرص الناخبين للوصول إلى صناديق الاقتراع، وهو ما قد يمس مبدأ المساواة في ممارسة الحق الانتخابي. كما أن محدودية المرافق الصالحة للاستخدام قد تؤثر في قدرة لجنة الانتخابات على توفير بيئة اقتراع تستوفي المعايير الدولية المتعلقة بسرية التصويت، وسهولة الوصول لذوي الإعاقة، وتأمين صناديق الاقتراع، وإجراء عمليات الفرز في ظروف مناسبة.

ومن ناحية أخرى، فإن نجاح أي عملية انتخابية في مرحلة ما بعد الحرب سيظل مرتبطًا بمدى التقدم في إعادة تأهيل البنية التحتية المدنية. فإعادة بناء المدارس، والمقار الحكومية، وشبكات الطرق والاتصالات، ليست مجرد متطلبات لإعادة الإعمار، وإنما تمثل أيضًا جزءًا من استعادة القدرة المؤسسية للدولة على إدارة الانتخابات وفق المعايير الدولية. لذلك، فإن التخطيط لأي انتخابات مستقبلية ينبغي أن يكون متزامنًا مع خطط إعادة الإعمار، بما يضمن توفير الحد الأدنى من البيئة المادية والإدارية اللازمة لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، قادرة على استعادة الثقة بالعملية الديمقراطية ومخرجاتها.

خامسًا: غياب المجلس التشريعي منذ عام 2007

يمثل تعطّل المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2007 أحد أخطر مظاهر الأزمة الدستورية التي شهدها النظام السياسي الفلسطيني، إذ أدى الانقسام السياسي إلى توقف المجلس عن ممارسة وظائفه التشريعية والرقابية، وتعطلت بذلك إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات في القانون الأساسي الفلسطيني. وقد تعمقت هذه الأزمة بعد قرار المحكمة الدستورية العليا بحل المجلس التشريعي في عام 2018 والدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية خلال ستة أشهر، وهي انتخابات لم تُجرَ، الأمر الذي أبقى النظام السياسي الفلسطيني دون سلطة تشريعية منتخبة حتى الوقت الراهن .

وأدى غياب المجلس التشريعي إلى انتقال جانب كبير من الوظيفة التشريعية إلى السلطة التنفيذية، من خلال إصدار الرئيس عددًا كبيرًا من القرارات بقانون استنادًا إلى المادة (43) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، التي تجيز إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير، وعلى أن تُعرض على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد زوال تلك الظروف. إلا أن استمرار تعطّل المجلس التشريعي لسنوات طويلة حال دون تحقق هذا القيد الدستوري، فتحولت القرارات بقانون من وسيلة استثنائية لمعالجة الظروف الطارئة إلى آلية تشريعية اعتيادية، وهو ما أثار نقاشًا قانونيًا ودستوريًا واسعًا بشأن مدى اتساق هذه الممارسة مع فلسفة القانون الأساسي ومبدأ سيادة القانون .

 ومن منظور دستوري، يمثل مبدأ الفصل بين السلطات إحدى الآليات الأساسية لتنظيم توزيع الاختصاصات بين مؤسسات الدولة ومنع تركّز السلطة، ويحتل المجلس التشريعي، بوصفه السلطة التشريعية المنتخبة، موقعًا أساسيًا في ممارسة الوظائف التشريعية والرقابية. ويحدد القانون الأساسي الفلسطيني للمجلس التشريعي اختصاصات تشمل التشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وإقرار الموازنة العامة ومساءلة الحكومة، بما يعكس ارتباط الوظيفة البرلمانية بمبدأ التمثيل الشعبي والرقابة الديمقراطية. ومن ثم، فإن استمرار غياب المجلس التشريعي عن ممارسة وظائفه بصورة منتظمة يؤدي إلى إضعاف إحدى الآليات المؤسسية الأساسية للرقابة والمساءلة، ويؤثر في التوازن بين السلطات وفي قدرة النظام السياسي على ممارسة وظائفه الدستورية بصورة مكتملة (القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، المواد 47–56).

 

وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على البيئة القانونية المنظمة للانتخابات، إذ صدرت خلال سنوات الانقسام مجموعة كبيرة من القرارات بقانون التي مست مجالات متعددة، من بينها القضاء، والإدارة العامة، والهيئات المستقلة، والحقوق والحريات، دون أن تخضع للنقاش البرلماني المعتاد أو للمراجعة التشريعية التي تمثل إحدى أهم ضمانات جودة التشريع واتساقه مع المبادئ الدستورية. كما أدى غياب المجلس التشريعي إلى إضعاف الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة، وتقليص فرص الحوار المؤسسي بشأن الإصلاحات السياسية والانتخابية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة بالمؤسسات العامة وبعملية صنع القرار.

ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة لا تقتصر أهميتها على تجديد عضوية المجلس التشريعي، وإنما تمثل خطوة أساسية نحو إعادة بناء النظام الدستوري الفلسطيني واستعادة التوازن بين السلطات العامة. فعودة مؤسسة تشريعية منتخبة من شأنها أن تعيد تفعيل الوظائف الدستورية للمجلس، بما يشمل سن التشريعات، ومراجعة القرارات بقانون الصادرة خلال فترة غيابه، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية، وتعزيز مبدأ المساءلة السياسية، بما يسهم في ترسيخ الشرعية الدستورية وإعادة الثقة بالمؤسسات العامة. لذلك، فإن نجاح الانتخابات التشريعية ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء النظام الدستوري الفلسطيني، وليس مجرد استحقاق انتخابي دوري.

سادسًا: غياب الانتخابات منذ عام 2006

يُعد انتظام إجراء الانتخابات الدورية أحد المبادئ الأساسية في النظم الديمقراطية، إذ لا تقتصر الديمقراطية على إجراء انتخابات حرة ونزيهة في مناسبة واحدة، وإنما تفترض استمرار إمكانية تجديد التفويض الشعبي وإخضاع شاغلي المناصب العامة للمساءلة من خلال انتخابات متكررة. وتتيح الدورية الانتخابية للناخبين فرصة تقييم أداء ممثليهم وتجديد الثقة بهم أو استبدالهم، بما يحافظ على الصلة بين الإرادة الشعبية ومؤسسات الحكم ويعزز مبدأ التداول السلمي للسلطة (Beetham, 1999).

وقد كرس القانون الدولي هذا المبدأ بصورة صريحة في المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تقر حق كل مواطن في الانتخاب والترشح في انتخابات دورية وحقيقية تُجرى على أساس الاقتراع العام والمتساوي وبالاقتراع السري، بما يضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين. وأوضحت لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم (25) أن دورية الانتخابات تمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر الحق في المشاركة السياسية، وأن الانتخابات ينبغي أن تُجرى على فترات تكفل استمرار ممارسة المواطنين لحقهم في اختيار ممثليهم وتجديد التفويض الممنوح للسلطات العامة  .(Human Rights Committee, 1996)

وفي الحالة الفلسطينية، لم تُجرَ انتخابات تشريعية عامة منذ انتخابات عام 2006، كما تعذر إجراء الانتخابات التي كان مقررًا عقدها عام 2021 بعد صدور قرار رئاسي بتأجيلها إلى أجل غير مسمى. وقد أدى هذا الانقطاع الطويل إلى نشوء حالة من الجمود السياسي والدستوري، حيث استمرت المؤسسات العامة في ممارسة اختصاصاتها في ظل غياب تجديد التفويض الشعبي، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول مدى توافق هذا الواقع مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية للشرعية الديمقراطية . كما انعكس غياب الانتخابات على طبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والمجتمع الفلسطيني، إذ شهدت السنوات التي أعقبت انتخابات عام 2006 تحولات ديموغرافية وسياسية واجتماعية عميقة، أبرزها دخول أجيال جديدة إلى الجسم الانتخابي لم تتح لها فرصة المشاركة في اختيار ممثليها، وتغيرت أولويات المواطنين نتيجة الانقسام السياسي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية، ثم الحرب الواسعة على قطاع غزة وما رافقها من نزوح ودمار وإعادة تشكيل للواقع الاجتماعي. وأدى استمرار المؤسسات المنتخبة أو القائمة دون تجديد انتخابي إلى اتساع الفجوة بين البنية السياسية الرسمية والتحولات التي شهدها المجتمع، وهو ما انعكس على مستويات الثقة بالمؤسسات العامة، وعلى إدراك المواطنين لمدى تمثيل هذه المؤسسات لإرادتهم السياسية .

 ومن منظور نظريات الشرعية الديمقراطية، ينبغي التمييز بين استمرار المؤسسة في ممارسة اختصاصاتها على أساس قانوني قائم، وبين استمرار شرعيتها الديمقراطية القائمة على التفويض الشعبي. فسلامة الأساس القانوني للمؤسسة عند نشأتها لا تستنفد مفهوم الشرعية الديمقراطية، التي ترتبط أيضًا بقدرة النظام السياسي على تجديد التفويض الشعبي وإتاحة الفرصة للمواطنين لتقييم أداء ممثليهم ومساءلتهم واستبدالهم من خلال آليات انتخابية تنافسية. ومن ثم، فإن استمرار المؤسسات المنتخبة في ممارسة صلاحياتها لفترات طويلة دون تجديد انتخابي لا يعني بالضرورة زوال أساسها القانوني، لكنه قد يثير إشكالية متزايدة بشأن استمرار شرعيتها الديمقراطية ومقدار استنادها إلى الإرادة الشعبية المتجددة (Beetham, 1999).

 

ومن ثم، يمكن النظر إلى الانتخابات الفلسطينية المقبلة باعتبارها خطوة ضرورية لاستعادة مبدأ الدورية الانتخابية وإعادة ربط المؤسسات الدستورية بالإرادة الشعبية، إلا أن هذه الانتخابات، مهما بلغت درجة نزاهتها، لن تكون كافية بمفردها لمعالجة جميع الآثار السياسية والدستورية المترتبة على الانقطاع الطويل. فاستعادة المسار الديمقراطي تتطلب، إلى جانب تنظيم الانتخابات، تعزيز استقلال المؤسسات، وضمان احترام مبدأ الفصل بين السلطات، وترسيخ سيادة القانون، وتوفير بيئة سياسية تسمح بتداول السلطة بصورة منتظمة ومستقرة. وعليه، فإن الانتخابات تمثل نقطة بداية لإعادة بناء الشرعية الديمقراطية، لكنها لا تغني عن برنامج إصلاحي أوسع يعيد بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم ويضمن استدامة الممارسة الديمقراطية.

سابعًا: تغير البنية الاجتماعية في قطاع غزة

 أحدثت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولات واسعة في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية للسكان، تجاوزت آثارها الخسائر البشرية والمادية المباشرة إلى التأثير في أنماط السكن والعمل والحصول على الخدمات الأساسية وسبل العيش. فقد أدى حجم الدمار والنزوح وتعطل النشاط الاقتصادي والخدمات العامة إلى تدهور كبير في الظروف المعيشية للسكان، وارتفاع مستويات الفقر والاحتياج الإنساني، وتزايد الاعتماد على المساعدات، إلى جانب أضرار واسعة في قطاعات التعليم والصحة والمياه والطاقة والبنية التحتية. وقد انعكست هذه التحولات على قدرة الأسر والمجتمعات المحلية على الحفاظ على مصادر دخلها وتلبية احتياجاتها الأساسية، وفرضت احتياجات متزايدة تتصل بالسكن وإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية واستعادة سبل العيش (World Bank, European Union, & United Nations, 2024).

 

ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على بعدها الإنساني، وإنما تمتد إلى المجال السياسي والانتخابي، لأن السلوك الانتخابي يتأثر بدرجة كبيرة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيش فيه الناخبون. فالانتخابات لا تُجرى في فراغ ، وإنما داخل بيئة اجتماعية واقتصادية تؤثر في أولويات المواطنين وفي القضايا التي تشكل أساس تقييمهم للفاعلين السياسيين. وفي المجتمعات المتأثرة بالحروب والنزاعات، يمكن أن تتغير الأولويات السياسية نتيجة التحولات التي تفرضها ظروف الصراع وما بعده، بحيث تكتسب قضايا الأمن والاستقرار وإعادة بناء المؤسسات وتوفير الخدمات الأساسية واستعادة سبل العيش أهمية متزايدة في أجندة المواطنين. ولذلك، فإن تحليل السلوك السياسي في المجتمعات المتأثرة بالنزاع يتطلب النظر إلى الانتخابات باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء المؤسسات والعلاقات السياسية والاجتماعية (Paris, 2004).

وتشير الأدبيات المتعلقة بالانتخابات وبناء السلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات إلى أن الانتخابات لا تجري بمعزل عن التحولات التي أحدثها الصراع في البنية الاجتماعية والسياسية. فقد تؤثر ترتيبات ما بعد النزاع في طبيعة المنافسة السياسية، وفي أنماط التعبئة الحزبية، وفي فرص تمثيل الجماعات التي برزت أو تغيرت أوضاعها نتيجة الصراع. كما يمكن أن تواجه العملية الانتخابية تحديات إضافية عندما تتزامن مع ضعف المؤسسات، واستمرار الانقسامات السياسية، وارتفاع توقعات المواطنين بشأن قدرة النظام السياسي على معالجة آثار النزاع وإعادة بناء المؤسسات. ولذلك، فإن الانتخابات في المجتمعات الخارجة من النزاعات تمثل في الوقت نفسه آلية لتجديد الشرعية ومجالًا للتنافس على صياغة النظام السياسي في مرحلة ما بعد النزاع (Jarstad & Sisk, 2008).

وفي الحالة الفلسطينية، تتعاظم أهمية هذه الاعتبارات بالنظر إلى أن الانتخابات المقبلة، إذا أُجريت، ستكون الأولى بعد ما يقرب من عقدين من الزمن، وفي ظل مجتمع يختلف بصورة جوهرية عن المجتمع الذي أُجريت فيه انتخابات عام 2006. فقد تغير الحجم النسبي للفئات العمرية، واتسعت قاعدة الشباب الذين لم يسبق لهم المشاركة في أي انتخابات تشريعية، كما تغيرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة سنوات الانقسام والحصار، ثم الحرب وما خلفته من دمار ونزوح واسع النطاق. ويعني ذلك أن البيئة الاجتماعية التي سيتحرك فيها الناخبون والأحزاب السياسية أصبحت مختلفة جذريًا، وهو ما ينعكس على طبيعة المنافسة الانتخابية، وعلى معايير اختيار المرشحين، وعلى القضايا التي ستشكل محور الحملات الانتخابية.

ومن ثم، فإن تقييم عدالة النظام الانتخابي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب القانونية والإجرائية، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الفلسطيني، ومدى قدرة النظام الانتخابي على تمثيل الفئات الاجتماعية الجديدة، والاستجابة لأولوياتها، وضمان مشاركة جميع المواطنين على قدم المساواة. كما ينبغي أن تراعي السياسات الانتخابية آثار النزوح، والتغيرات الديموغرافية، وازدياد أعداد الفئات الهشة، بما يسهم في بناء عملية انتخابية تعكس الواقع الاجتماعي الجديد، وتعزز شرعية المؤسسات المنتخبة وقدرتها على الاستجابة لمتطلبات مرحلة إعادة الإعمار والتعافي.

هل تسمح البيئة الفلسطينية الحالية بإجراء انتخابات حرة وفق المعايير الدولية؟

يمثل هذا السؤال أحد أكثر الإشكاليات تعقيدًا في النقاش الدستوري والسياسي الفلسطيني، لأنه يتجاوز مسألة القدرة الفنية على تنظيم الانتخابات إلى تقييم البيئة العامة التي ستُمارس فيها الحقوق السياسية. والإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون ثنائية أو مطلقة، بالإيجاب أو السلب، وإنما تستوجب التمييز بين إمكانية إجراء الانتخابات من الناحية الإجرائية وبين مدى استيفاء العملية الانتخابية للمعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة. فقد تنجح السلطة القائمة في تنظيم عملية الاقتراع من الناحية الفنية، بينما تبقى البيئة السياسية أو الأمنية أو القانونية غير مكتملة بما يكفي لتحقيق جميع الضمانات التي تشترطها المعايير الدولية للانتخابات الديمقراطية.

ومن منظور القانون الدولي، لا يحظر الحق في المشاركة السياسية، في ذاته، إجراء الانتخابات في سياقات النزاع أو في مراحل ما بعد النزاع، وإنما يرتبط تقييم الانتخابات بمدى توافر الشروط التي تكفل ممارسة الحقوق السياسية بصورة حرة ومتساوية. وقد أظهرت تجارب الانتقال السياسي في دول عاشت نزاعات مسلحة، مثل البوسنة والهرسك وتيمور الشرقية وليبيريا والعراق، أن الانتخابات يمكن أن تشكل جزءًا من ترتيبات الانتقال السياسي وإعادة بناء المؤسسات والشرعية، وإن كان تنظيمها في هذه السياقات يظل مرتبطًا بالتحديات الأمنية والمؤسسية والسياسية الخاصة بكل حالة (Jarstad & Sisk, 2008).

وتشير الأدبيات المتعلقة بالانتخابات في المجتمعات الخارجة من النزاعات إلى أن الانتخابات لا تمثل غاية مستقلة عن عملية بناء السلام، وإنما يمكن أن تكون إحدى أدوات الانتقال السياسي وإعادة بناء المؤسسات. وفي المقابل، قد تواجه الانتخابات في البيئات المنقسمة مخاطر مرتبطة باستمرار الصراع أو ضعف المؤسسات أو غياب التوافق حول قواعد المنافسة، الأمر الذي يجعل نتائجها مرتبطة بدرجة كبيرة بالسياق المؤسسي والسياسي الذي تجري فيه. ولذلك، فإن الانتخابات في مرحلة ما بعد النزاع تحتاج إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية تساعد على إدارة التنافس وقبول النتائج، بدل أن تتحول العملية الانتخابية إلى امتداد للمنافسة الصراعية القائمة (Jarstad & Sisk, 2008).

أما من منظور المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فإن تقييم الانتخابات لا يقتصر على إجراءات الاقتراع والفرز، وإنما يرتبط بمدى تمكين المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية بصورة حرة ومتساوية. وتنص المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل مواطن في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، والانتخاب والترشح في انتخابات دورية وحقيقية تُجرى بالاقتراع العام والمتساوي والاقتراع السري، بما يكفل التعبير الحر عن إرادة الناخبين. كما توضح لجنة حقوق الإنسان أن ممارسة هذه الحقوق تتطلب توفير شروط تتيح للمواطنين المشاركة الفعلية، بما في ذلك احترام حرية الرأي والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وعدم فرض قيود غير معقولة على ممارسة الحقوق الانتخابية (Human Rights Committee, 1996).

وفي الاتجاه ذاته، تحدد مدونة الممارسات الجيدة في المسائل الانتخابية الصادرة عن لجنة البندقية مجموعة من المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم العملية الانتخابية، وفي مقدمتها الاقتراع العام والمتساوي والحر والسري والمباشر. ولا يقتصر تطبيق هذه المبادئ على يوم الاقتراع، وإنما يمتد إلى الإطار القانوني والإداري الذي تجري فيه الانتخابات، بما في ذلك ضمان المساواة في المشاركة، وتهيئة شروط تكافؤ الفرص، وتوفير وسائل فعالة للطعن وتسوية المنازعات الانتخابية. ومن ثم، فإن نزاهة الانتخابات ترتبط بسلامة البيئة المؤسسية والقانونية للعملية الانتخابية بقدر ارتباطها بصحة إجراءات التصويت والفرز (Venice Commission, 2002).

وعند إسقاط هذه المعايير على الحالة الفلسطينية، يتبين أن البيئة الراهنة تتسم بقدر كبير من التعقيد. فمن جهة، ما يزال الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيودًا على حرية الحركة، ويؤثر في السيطرة على الأرض والمعابر، ويطرح إشكاليات خاصة بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، وهي قضايا سبق أن أثرت في المسارات الانتخابية الفلسطينية. ومن جهة أخرى، ما تزال آثار الانقسام السياسي قائمة على مستوى المؤسسات والإدارة العامة، إلى جانب ما خلفته الحرب من دمار واسع للبنية التحتية، ونزوح داخلي واسع النطاق، وتعطل عدد من المرافق العامة، وتراجع الخدمات الأساسية، وهي جميعها عوامل تؤثر بدرجات متفاوتة في قدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية على قدم المساواة.

كما أن استمرار غياب المجلس التشريعي، وتأخر تجديد الشرعية الانتخابية، والتغيرات الاجتماعية والديموغرافية التي شهدها قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، تضيف أبعادًا جديدة للتحديات المرتبطة بإجراء الانتخابات. فهذه الظروف لا تؤثر فقط في الجوانب اللوجستية للعملية الانتخابية، وإنما تمتد إلى مستوى الثقة بالمؤسسات، وقبول النتائج، وإمكانات التنافس السياسي العادل، وهي عناصر تشكل جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الانتخابات الحرة وفق المعايير الدولية.

ومع ذلك، فإن وجود هذه التحديات لا يعني، من الناحية القانونية أو السياسية، استحالة إجراء الانتخابات أو انتفاء جدواها الديمقراطية. فالقانون الدولي لا يشترط وجود بيئة مثالية لإجراء الانتخابات، وإنما يفرض على السلطات العامة بذل أقصى ما يمكن من التدابير لضمان احترام الحقوق السياسية وتقليل أثر الظروف الاستثنائية على العملية الانتخابية. ولذلك، فإن القيمة الديمقراطية لأي انتخابات فلسطينية مستقبلية ستتوقف إلى حد كبير على حجم الضمانات التي تُتخذ لمعالجة هذه التحديات، مثل تحديث السجل الانتخابي، وضمان مشاركة النازحين، وتأمين حرية الدعاية الانتخابية، واستقلال لجنة الانتخابات المركزية، وحياد الإدارة العامة، وتوفير آليات فعالة للفصل في الطعون الانتخابية، والتوصل إلى توافق سياسي يضمن احترام نتائج الانتخابات والالتزام بالتداول السلمي للسلطة.

وعليه، فإن الإجابة الأدق عن السؤال المطروح هي أن البيئة الفلسطينية الحالية لا تستوفي بصورة كاملة جميع الشروط المثالية التي تتطلبها المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة، إلا أنها لا تجعل إجراء الانتخابات أمرًا غير مشروع أو مستحيلًا. فإمكان تنظيم انتخابات ذات مصداقية سيظل مرتبطًا بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات المختصة على توفير أكبر قدر ممكن من الضمانات القانونية والإدارية والسياسية التي تقلل من آثار الاحتلال، والانقسام، والدمار، والنزوح، وتعزز ثقة المواطنين في العملية الانتخابية ونتائجها. وبذلك تصبح الانتخابات جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء الشرعية الدستورية والمؤسسات الديمقراطية، لا مجرد إجراء إجرائي منفصل عن السياق السياسي الذي تُجرى فيه.

 المصادر

Beetham, D. (1999). Democracy and human rights. Polity Press.

European Commission for Democracy through Law (Venice Commission). (2002). Code of good practice in electoral matters: Guidelines and explanatory report (CDL-AD(2002)023rev2-cor). Council of Europe.

European Union Election Observation Mission. (2006). Final report: Palestinian Legislative Council elections, 25 January 2006. European Union Election Observation Mission.

Human Rights Committee. (1996). General comment No. 25: The right to participate in public affairs, voting rights and the right of equal access to public service (Article 25), CCPR/C/21/Rev.1/Add.7. United Nations.

International Court of Justice. (2004). Legal consequences of the construction of a wall in the Occupied Palestinian Territory: Advisory opinion of 9 July 2004. I.C.J. Reports 2004.

International Crisis Group. (2018). Palestine: The next phase of reconciliation (Middle East Briefing No. 63). International Crisis Group.

Jarstad, A. K., & Sisk, T. D. (Eds.). (2008). From war to democracy: Dilemmas of peacebuilding. Cambridge University Press.

Lijphart, A. (1977). Democracy in plural societies: A comparative exploration. Yale University Press.

Palestinian Center for Policy and Survey Research. (2021, December 14). Public opinion poll no. (82). Palestinian Center for Policy and Survey Research

Paris, R. (2004). At war's end: Building peace after civil conflict. Cambridge University Press.

United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2025). Humanitarian situation update #275: Gaza Strip. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs – Occupied Palestinian Territory.

United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2025, July 23). Humanitarian situation update #307: Gaza Strip. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs – Occupied Palestinian Territory.

World Bank, European Union, & United Nations. (2024). Gaza Strip interim damage assessment: March 2024. World Bank.

 

 

المساهمين والشركاء
برنامج التدريب الشبابي في التحليل وتقييم السياسات
برنامج التدريب الشبابي في التحليل وتقييم السياسات
✔ تم نسخ الرابط